محمد متولي الشعراوي
2850
تفسير الشعراوى
إن الحجة - إذن - تكون من شقين : الشق الأول الخاص بالعقل هو في الإيمان بالقوة العليا المبهمة ، والشق الثاني الخاص بالرسل هو الإيمان بالبلاغ عن اللّه اسما وصفة ومطلوبا وجزاء ، هكذا نرى فاتفقوا أيها العلماء ولا ضرورة للخلاف . أقول ذلك حتى لا يتمادى الذي يتصيدون لدين اللّه وأضيف : اتفقوا أيها العلماء على أشياء محددة لأنكم تشتتون الناس بهذه الخلافات ؛ فالرسول هو الحجة في الأشياء التي لا دخل للعقل فيها . ونعرف تاريخيا أن آفة الفلسفة أنها تضع وتتخذ عددا ضيقا من المجالات لتبحث فيها ، وكانت الفلسفة قديما هي أمّ العلوم مجتمعة ، فالهندسة كانت فرعا منها ، وكذلك كل الرياضيات ، وأيضا المواد العلمية كالكيمياء والفيزياء وكذلك أصول اللغات . لكن عندما رأى العلماء أصحاب التجارب المعملية أن الفلاسفة يدخلون في متاهات نظرية ولا يدخلون إلى مجال التجارب العلمية التطبيقية ، تركوا الفلاسفة وأسسوا العلوم التجريبية منفصلة عن الفلسفة . وأنتج العلم التجريبى لنا كل هذه الاختراعات والاكتشافات المعاصرة التي تسهل علينا الحياة ونستفيد منها . لقد ظل الفلاسفة على حالهم يبحثون في النظريات بعيدين عن مجال التجارب العلمية التطبيقية . ولا تلتقى مدرسة فلسفية بمدرسة أخرى ؛ لأنهم يختلفون حيث الجهل طبيعة مسيطرة على الغيب الذي يبحثون عنه ولا يمكن الاهتداء أبدا إلى أسرار الغيب ، إنما الغيب يبلغ به الرسل . والمثال الذي أضربه دائما وأكرره حتى يستقر في الأذهان : لنفترض أننا نجلس في حجرة ثم دق الجرس ، هنا تستوى عقولنا جميعا في أن طارقا بالباب ، ولا نختلف في هذا الأمر . لكن عندما ندخل في تصور من الطارق ؟ يقول واحد : « الطارق رجل » وثان يقول : « الطارق امرأة » وثالث يقول : « الطارق رجل شرطة » ورابع يقول : « صديق لنا » وخامس يقول : « بشير » وسادس يقول : « نذير » ، يحدث ذلك لأننا دخلنا إلى متاهات التصور . وأقول : هذه الأمور لا تترك للعقل ، فلو